بناء الفرد الرباني في ختام النظم القرآني

بسم الله الرحمن الرحيم

(مقدمة د. ناصر بن عبدالرحمن الخنين)

 

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وتيسيره وامتنانه، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا؛ ثم أما بعد:

فإن الله تعالى قد خلق الثقلين لعبادته على الوجه الشرعي المرضي؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ٥٦﴾[الذاريات: 56]، وجعل وحيه سبيلًا مشروعًا لتحقيق هذه العبادة الجليلة، وأكّد ذلك في محكم كتابه قائلًا: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾[الإسراء: 9] وقد أشار في هذه الآية باسم الإشارة القريب؛ تنبيها إلى قرب الهادي وهو القرآن الكريم من المهدي وهو كل من طلب الهداية وأقبل عليها، وجعل خبر “إنَّ” فعلًا مضارعًا وهو [يهدي] إيذانًا بتجدد فعل الهداية في مستقبل الأزمان لطلابها، ثم إن القرآن الكريم هدىً للناس أجمعين؛ من غير تخصيصٍ لقومٍ دون آخرين؛ كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾[البقرة: 185].

ولا يخفى أن الله تعالى شرَّف من علّم القرآن وتعلَّمه بأنه خيرُ الناس؛ وهذا ما ورد في حديث عثمان رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري أن النبِيِّ eقَالَ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»([1]) ” فجعل الخيرية سمةً لمن يتعلم القرآن تلاوةً وحفظًا وتدبرًا؛ ثم يعلمُه غيره على مثل ما تعلمه؛ فصار للمعلم أجران؛ أجر التعلم في أول الأمر، وأجر التعليم في نهاية الأمر، وهذا شرفٌ عظيم يحظى به معلم القرآن والعامل به، وإن من أعلى رتب تعليم القرآن تدبرَه والوقوفَ عند دلالاته والعلمَ بأحكامه وتشريعاته، والدعوةَ إليه ومدارسته وتفطينَ طلاب العلم إلى معاني دلالاته ولطائف إشاراته، وتيسيرَ تعاطي هذه المعاني وإظهار دلالاتها،  وتشجيع المقبلين على القرآن الكريم للعمل بها، وهذا ما وجدته في هذا العمل العلمي الرصين الموسوم بـ ﴿مدارسات سور الجزء الثلاثين﴾ للأستاذة: فوزية بنت محمد وخي؛ فقد تصفّحتُ هذه المدارسة وقلَّبتُ النظر في تضاعيفِها وتمعَّنتُ في تقسيماتِها؛ فوجدتها متكاملةً في الجوانب العلمية وافيةً بالمقاصد التدبرية، ومعتنيةً باللطائف البيانية، وذات مقاصد دعوية سامية، وتتخللها أهداف تربوية غايةٌ في الحسن وبُعْد النظر؛ مع وفاءٍ بالجوانب الموضوعية التفسيرية، وإحاطةٍ بمعاني الكلمات اللغوية، وذكر لأسباب النزول، وتركيزٍ على فحوى الأسئلة التدبرية؛ ذات الثراء الدعوي والشرعي والتوجيهي؛ مع توازنٍ في العرض العلمي؛ فليست موجزةً مُخلَّة، ولا مطوَّلةً مملَّة، وإنما نهجت سبيلًا وسطًا؛ يناسب معظم القرَّاء، ويحقق المقاصد العظمى منها، ويتوافق مع مستوى المدارك العقلية للناظر فيها؛ ومثل هذا المنهج الفريد في نمطه، المتميز في تقسيماته، والمتنوع في موضوعاته، والشامل في أهدافه؛ يحقق -بإذن الله تعالى- جملةً من مقاصد الذكر الحكيم؛ الذي أنزله الله تعالى هدايةً للناس أجمعين على اختلاف فئاتهم، وتفاوت مستوياتهم، وتنوع مداركهم؛ فجزى الله الأستاذة القديرة خيرًا على هذا المشروع التدارسي القرآني؛ ذي المنهج العلمي الرصين؛ الذي خرج في هذه الصورة المبتكرة؛ ذات الطابع المغري تنوّعا وتفنّنا؛ وهو منهجٌ علميٌّ مدرسي؛ صالحٌ للتداول والتدريس والتقرير، قابلٌ للشرح العلمي، والتوظيف التعليمي؛ بحسب مقامات الدارسين والدارسات لكتاب الله جل وعلا؛ والله المسؤول أن يرفع قدر من قام به، ومن خطط له، ومن أخرجه، ودرّسه ونشره؛ كتب الله أثره وآثاره، وجعله في ميزانِ حسنات الجميع؛ يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون، إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

 

 

كتبه: د. ناصر بن عبدالرحمن الخنين

الأستاذ المشارك في كلية اللغة العربية بقسم البلاغة والنقد ومنهج الأدب الإسلامي في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض

الخميس: ١٤٤١/٤/١٥ – ٢٠١٩/١٢/١٢

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

(مُقَدِّمَــــــة)

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، الحمد لله الذي أنزل كتابه هاديًا ونورًا مبينًا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا١٧٤﴾ [النساء: 174]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9].

الحمد لله الذي جعل كتابه سبيلًا للفلاح في الدنيا والآخرة، وترْكه سببًا في الخسران المبين؛ قال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى١٢٣ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى١٢٤﴾ [طه: 123-124].

الحمد لله الذي جعل غاية إنزال كتابه تدبرَه والعملَ به، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ٢٩﴾ [ص: 29]، ويسّره للذكر فهل من مدكر، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ٢٢﴾ [القمر: 22].

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير الأنام أجمعين، محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وبعد:

جزء عم: سبع وثلاثون سورة أغلبها مكيّ، نحفظها ونرددها في صلواتنا، سور عظيمة تؤسس لعقيدة سليمة وبناء متوازن ومن ثَمّ شخصية متكاملة للإنسان المسلم المتعلق بربه، الصالح في ذاته، النافع لغيره والإيجابي في مجتمعه.

فيها التعريف بالله الأحد الصمد، والتنبيه على القدرة العظيمة بالتوجيه؛ للتأمل في سبحات هذا الكون العظيم، وبيان لسنة الابتلاء، وتذكير بأصل النشأة والتكريم والخلق في أحسن تقويم، والتربية من ثَمّ على معالي الأمور، والحث على تزكية النفس، وفيها إلى جانب ذلك تذكير بضعف الإنسان وافتقاره إلى ربه أن يعينه ويعيذه فلا يتكبر أو يطغى، بل يتربى على شكر المنعم، وفيها أن الحياة جد ولابد من السعي، فيها التذكرة بالآخرة ولقاء الله سبحانه، والمقابلة بين الترغيب والترهيب بأوصاف لمشاهد يوم القيامةوأهواله، وذكر لصور من العذاب تنخلع لها القلوب، ثُمَّ تلطف بذكر النعيم بأوصاف عذبة، تأنس بها النفوس وتطيب؛كي يستقيم الإنسان بين هذا وذاك، ويستبين حقيقة الفوز، ويعلم فيلزم.

وقد امتنَّ الله علينا بإعداد هذه المدارسات للجزء الثلاثين؛ لتدبره، والوقوف على ما فيه من دروس وعبر، وما يترتب على ذلك من آثار إيمانية تُبنى بها النفوس وتُهَذَّب، وذلك باعتماد منهجية التاءات الخمس([2])، التي تجمع بين فهم الآيات والتعرف على دلالاتها العلمية، والتطرق إلى أبرز موضوعاتها، مع تناول للمسائل الواقعية واستخراج أهم الجوانب العملية والتربوية، دون إطالة مملة أو اختصار مخل، معتمدين في عرض المادة على الجداول؛ لتوضيح المنهجية التي تبدأ بتمهيد للسورة يجمع: تهيئةً للمجلس وتعريفًا ميسرًا بالسورة من حيث: (أسماء السورة، ونوعها، وعدد آياتها وأسباب نزولها، وفضائلها، ومناسباتها لما قبلها وما بعدها، ومقصد السورة، وموضوعات السورة).

أما التعريف بالسورة فقد اعتمدنا في ذلك على تفسير التحرير والتنوير، والتفسير الموضوعي. وأما المقصد: فمن المختصر في تفسير القرآن الكريم، والبيان في عد آي القرآن (لعدد الآيات)، والتفسير المنير للزحيلي.

كما اعتمدنا في التفسير الإجمالي على كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم، والتفسير الميسر، وأيسر التفاسير لأبي بكر الجزائري.

واعتمدنا في التدبر والتزكية (من التاءات الخمس) على منهجية السؤال والجواب لما في ذلك من حَفْزٍ للفكر، وتحريك للذهن تيسيرًا لاستيعاب المادة وفهمها، وهي بذلك مناسبة للقراءة الفردية وللتقديم في المجالس العلمية (مناسبة للطالب والمعلم).

وجمعنا المادة العلمية من أكثر من سبعين (70) مرجعًا، تشمل أكثر من خمسة وأربعين (45) كتاب تفسير، منها ما هو بالمأثور ومنها ما هو بالرأي المحمود، وتَحَرَّيْنا الصحة في النقل؛ إذ نعزو ما نقلناه نصًّا إلى صاحبه، وما نقلناه مع تغيير الصياغة نذكر المرجع الذي اقتبسناه منه، إلا أن يكون جمعًا من مراجع مختلفة وما فتح الله به علينا.

وهذا جهد بشري، فما كان فيه من صواب فمن الله -عز وجل-، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان وأبرأ إلى الله منه.

وأشكر كلَّ من شارك في إعداد هذا العمل، وإخراجِ هذه المدارسات المباركة -بإذن الله تعالى-، وأسأل الله أن ينفعَ بها وأن يتقبلها خالصةً لوجهه الكريم، وأن يجعلها حجةً لنا لا علينا، وأن يجعلها في ميزان حسنات كل من علمنا حرفًا من كتاب الله، وكل من أسهم في إخراجها ونشرها.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه.

كتبته: فوزية بنت محمد وخي

مشرفة الدبلوم العالي في معهد تدبر سابقًا

ومشرفة أكاديمية نبراس لتعليم القرآن الكريم وتدبره

الإثنين: ١٤٤١/صفر/١٥ الموافق ٢٠١٩/أكتوبر/١٤

([1]) صحيح البخاري 5027 (6/ 192)

([2]) التاءات الخمس: تمهيد (يشمل تهيئةً للسورة وتعريفًا بها)، تلاوة (آيات السورة)، تفسير (تفسير إجمالي للآيات مع معاني المفردات)، تدبر وتزكية (الجوانب العلمية والموضوعية والعملية والواقعية والتربوية للآيات).

عنوان Toggle

Toggle content goes here, click edit button to change this text.